تقترب مصر من إبرام صفقة جديدة مع شركة «داسو للطيران» الفرنسية لشراء 24 مقاتلة إضافية من طراز «رافال»، ما قد يرفع حجم أسطولها من المقاتلات الفرنسية إلى 78 طائرة ويعزز موقعها كأكبر مستورد أجنبي لطائرات رافال. 
 

ويرى داجيم يوهانس، الباحث في «هورن ريفيو»، أن الصفقة لا تعكس بالضرورة خيارًا مصريًا أولًا، بقدر ما تمثل المسار الوحيد الذي لا يزال مفتوحًا أمام القاهرة بعدما أغلقت واشنطن مسارات أخرى للحصول على مقاتلات متقدمة.
 

ويحلل تقرير «هورن ريفيو» مساعي القاهرة خلال السنوات الست الماضية لبناء قوة جوية لا تخضع بالكامل للبوابة الأمريكية، مشيرًا إلى محاولتين رئيسيتين عبر روسيا والصين، تعثرتا أو تراجعتا بفعل الضغوط الأمريكية المرتبطة بالتزام واشنطن بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في مجال القوة الجوية. ووفق التقرير، تبدو عملية توسيع أسطول رافال أقرب إلى الخيار المتبقي بعد إغلاق الأبواب الأخرى منها إلى كونها تفضيلًا استراتيجيًا مصريًا خالصًا.

 

 

صفقة سوخوي أغلقتها واشنطن ومسار صيني واجه الاحتواء

 

أغلقت روسيا أول أبواب التنويع أمام القاهرة، وبصورة مباشرة. فقد وقعت مصر في عام 2018 عقدًا بقيمة تقارب ملياري دولار لشراء 24 مقاتلة «سو-35»، في محاولة حقيقية للحصول على منصة متقدمة للتفوق الجوي خارج المنظومة الأمريكية. لكن الصفقة انهارت بحلول عام 2020، بعدما حذر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو خلال جلسة استماع بالكونجرس من فرض عقوبات بموجب قانون «كاتسا» إذا مضت القاهرة في الصفقة. وفي النهاية، اتجهت الطائرات بصورة هادئة إلى إيران بدلًا من مصر.


ويرى التقرير أن الضغط الأمريكي لم يكن خفيًا، بل جاء في صورة تهديد معلن ومباشر ضد دولة تتلقى أكثر من مليار دولار سنويًا في صورة مساعدات عسكرية أمريكية، وهو ما أدى إلى إسقاط الصفقة خلال عامين فقط.


أما الباب الصيني، فقد استغرق إغلاقه وقتًا أطول، ولم يحدث عبر قرار أمريكي واحد، بل من خلال حملة مستمرة هدفت إلى تقديم بدائل أمريكية للمسار الصيني. وتعود الاتصالات المصرية بشأن المقاتلات الصينية إلى سنوات أبعد مما تشير إليه معظم التغطيات، إذ تعود التقارير عن اهتمام القاهرة بالمقاتلة الشبحية «جي-20» إلى عام 2019 على الأقل، بالتوازي مع مسار أكثر واقعية بشأن «جي-10 سي» بدأ نحو عام 2022.


وظهرت مقاتلات «جي-10 سي» الصينية في معرض مصر الدولي للطيران عام 2024، كما أفادت وسائل إعلام متخصصة في شؤون الدفاع، من بينها «بلجاريان ميليتري»، ثم «ساوث تشاينا مورنينج بوست» وغيرها، بأن القاهرة أبرمت طلبية أولية لهذه المقاتلات في أغسطس من العام نفسه، رغم عدم تأكيد القاهرة أو بكين الأمر رسميًا.


وفي الفترة نفسها، أفادت تقارير بأن مصر رفضت عرضًا أمريكيًا لتحديث مقاتلات «إف-16» إلى معيار «إف-16 في»، إلى جانب عرض لتزويدها بمقاتلات «إف-15»، كما رفضت عرضًا روسيًا إضافيًا لمقاتلات «ميج-29». ويرى التقرير أن ذلك يشير إلى أن الانفتاح على الصين لم يكن مجرد مناورة ظرفية، بل محاولة حقيقية من القاهرة لإجبار واشنطن على تقديم شروط أفضل عبر إظهار امتلاكها بديلًا آخر.


وردت واشنطن، بحسب التقرير، لكن ليس عبر السماح لمصر بالمضي في الصفقة الصينية أو تقديم شروط مماثلة دون قيود. وبحلول يناير 2026، وصفت تقارير المفاوضات بشأن «جي-20» بأنها دخلت ما سمته إحدى وسائل الإعلام «مرحلة احتواء»، أي أنها لم تُلغَ، لكنها تباطأت عمدًا تحت ضغط أمريكي مستمر، مع إبقاء القاهرة قنوات الاتصال مفتوحة.


أما الخطوة الصينية الأكثر واقعية على المدى القريب، والمتعلقة بسرب واحد من مقاتلات «جي-10 سي» يضم نحو 40 طائرة لاستبدال مقاتلات «إف-16 بلوك 30» المتقادمة، فقد واجهت، وفق التقرير، حزمة أمريكية مضادة تبلغ نحو 4.67 مليار دولار، تشمل أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي «ناسامز-3»، إلى جانب ما يصل إلى 200 حزمة لتحديث مقاتلات «إف-16» إلى مستوى يقترب من «بلوك 70/72»، مع رادار «APG-83 AESA».


ويرى «هورن ريفيو» أن هذه الخطوة لا تمثل تطمينًا أمريكيًا عامًا، وإنما محاولة محددة لإبقاء مصر داخل سلسلة التوريد الأمريكية، ومنع ترسخ علاقة استراتيجية طويلة الأمد مع الصين في مجال المقاتلات.


وفي مسار موازٍ، أفادت تقارير بأن القاهرة تدرس أيضًا طلبية تضم 100 طائرة «FA-50» من كوريا الجنوبية، مع نقل للتكنولوجيا، ما يشير إلى استمرار مصر في البحث عن بدائل متعددة خارج الصين بدلًا من الاستقرار على مسار واحد.


لكن قدرة القاهرة على مواصلة التنويع تواجه حدودًا عملية. إذ تمتلك مصر بالفعل أسطولًا متنوعًا بدرجة كبيرة، يضم مقاتلات أمريكية من طراز «إف-16»، وروسية من طراز «ميج-29»، وفرنسية من طراز «رافال»، وهو ما يعني تعدد منظومات الإمداد والصيانة والتسليح والتدريب. وقد يؤدي إدخال مورد جديد إلى تعزيز قدرة مصر على المناورة السياسية، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكاليف التشغيل والتكامل، خصوصًا مع اختلاف أنظمة نقل البيانات وتوافق الأسلحة وسلاسل قطع الغيار بين المنظومات التكنولوجية المختلفة.


ولهذا، بحسب التقرير، تواصل القاهرة البحث عن مسارات بديلة دون أن ترغب بالضرورة في بناء أسطول شديد التشتت؛ فالتنويع يمنحها قوة تفاوضية، لكن الإفراط فيه قد يتحول إلى عبء عملياتي مستقل.


ويقر التقرير بوجود تحفظات على جودة المعلومات المتعلقة بالمسار الصيني، إذ تستند معظمها إلى وسائل إعلام متخصصة في تجارة الدفاع، مثل «إيوريشان تايمز» و«آرمي ريكونيشن» و«سوفريب» و«بلجاريان ميليتري»، وليس إلى تصريحات حكومية مؤكدة من القاهرة أو بكين أو واشنطن. ولذلك ينبغي التعامل مع الحديث عن طلبية «جي-10 سي» أو دخول مفاوضات «جي-20» مرحلة «الاحتواء» باعتباره نمطًا متكررًا في التقارير بين عامي 2019 و2026، وليس حقيقة مؤكدة في تفاصيلها.


لكن التقرير يرى أن النمط نفسه يمثل المعطى الأهم؛ فكلما تحركت مصر باتجاه مورد بديل للحصول على مقاتلات متقدمة، ظهرت خلال أشهر عروض أمريكية مضادة، صُممت تحديدًا لجعل البديل أقل ضرورة. وفي الوقت ذاته، لا يقدم التقرير القاهرة باعتبارها طرفًا سلبيًا في هذه العملية، إذ استخدمت مصر مرارًا تعدد الموردين لتوسيع هامش التفاوض وتنويع مصادر الاعتماد والضغط على واشنطن للحصول على شروط أفضل.

 


رافال.. البديل الغربي الذي لا تستطيع واشنطن إغلاق بابه


يضع هذا السياق طلب تقديم العروض الخاص بمقاتلات «رافال» في إطار أوسع. ففرنسا تمثل المورد الوحيد للمقاتلات المتقدمة الذي لم تحتج واشنطن وإسرائيل إلى منع صفقاته مع مصر بصورة مباشرة، وإنما سعيتا إلى فرض قيود على مستوى التسليح المصاحب للصفقة.


وبحسب تقارير صادرة عن «معهد واشنطن»، ضغطت الولايات المتحدة وإسرائيل على باريس لتزويد مقاتلات رافال المصرية بصواريخ «ميكا» الأقصر مدى بدلًا من صواريخ «ميتيور» التي يصل مداها إلى 100 كيلومتر، لتصبح المقايضة هي تقليص القدرة القتالية بدلًا من منع الصفقة نفسها.


ويمثل ذلك، وفق التقرير، نوعًا مختلفًا من التحكم مقارنة بعقوبات «كاتسا» أو تعطيل المسار الصيني؛ إذ تحصل مصر على الطائرة نفسها، وتحتفظ فرنسا بسيادتها على قرار البيع الذي لا يخضع لقيود «كاتسا» الخاصة بروسيا، بينما تقبل القاهرة تسليحًا صاروخيًا محدودًا باعتباره ثمنًا لإتمام الصفقة.


ولا يرى التقرير أن رافال هي بالضرورة الطائرة التي كانت مصر ستختار بناء قوة جوية مستقلة حولها لو امتلكت حرية غير مقيدة، وإنما هي المنصة التي بقيت متاحة بعدما جرى استخدام حق النقض مرة على مستوى التسليح، بدلًا من إغلاق الصفقة نفسها كما حدث مع روسيا، أو إبطاء مسارها كما حدث مع الصين.


ويفسر ذلك، بحسب «هورن ريفيو»، سبب تسارع التحرك المصري حاليًا. فقد جاء طلب تقديم العروض قبل ثلاثة أسابيع من معرض العلمين الدولي للطيران، حيث تمتلك القاهرة حافزًا قويًا للإعلان عن الصفقة أو إحراز تقدم واضح فيها.


كما يأتي التحرك بعد مشاركة مقاتلات رافال المصرية في تدريبات ضد مقاتلات «جي-16» الصينية ضمن مناورة «نسور الحضارة 2026»، بما يمنح القاهرة وسيلة منخفضة التكلفة لتذكير باريس وواشنطن بوجود بدائل، حتى مع تعثر المسار الصيني نفسه.


وفي الوقت ذاته، تواجه شركة «داسو» قيدًا حقيقيًا يتعلق بالطاقة الإنتاجية، إذ تمتلك قطر خيارًا قائمًا لشراء 12 طائرة إضافية، وهو ما قد يشغل بعض خطوط الإنتاج التي تحتاج مصر إلى حجزها.


ولا يعني ذلك، بحسب التقرير، أن مصر لا تملك أسبابًا حقيقية لرغبتها في شراء رافال. ففرنسا توفر للقاهرة طائرة قتالية غربية متقدمة دون وضع علاقة الشراء بأكملها داخل المنظومة الأمنية الأمريكية، كما توفر رافال إضافة قوية ومتنوعة سياسيًا إلى الأسطول المصري.


لكن النقطة الأساسية، وفق التحليل، ليست أن القاهرة اختارت رافال على مضض، وإنما أنها قد تكون أكثر أشكال التنويع الاستراتيجي قابلية للتحقق في ظل القيود المحيطة بخيارات مصر الأخرى في مجال المقاتلات المتقدمة.

 


مصر تحاول تأمين هامش المناورة قبل تضييق الخيارات


تشير جميع المؤشرات، بحسب «هورن ريفيو»، إلى أن القاهرة تحاول تحويل مجموعة الخيارات المتقلصة إلى عقد نهائي قبل ظهور عرض أمريكي مضاد جديد، سواء عبر حزمة إضافية لمقاتلات «إف-16»، أو حوافز مرتبطة بمنظومة «ناسامز»، أو إشارة جديدة بشأن مقاتلات «إف-35» تهدف إلى مضاهاة ما قد تحصل عليه تركيا من مسار «اتفاق مكة»، بما قد يجعل إتمام صفقة رافال، حتى بصورتها المقيدة، أقل إلحاحًا بالنسبة لمصر.


ولا يعني ذلك أن القوات الجوية المصرية ستصبح أضعف من حيث الأعداد. فمن المرجح أن تصبح مصر ثاني أكبر مشغل لمقاتلات رافال في العالم، بإجمالي 78 طائرة، مقابل أسطول فرنسا نفسها.


لكن تسلسل الأحداث، من إسقاط صفقة «سو-35» بصورة مباشرة، إلى إبطاء مسار «جي-10 سي» و«جي-20» ومواجهته بعروض أمريكية مضادة، وصولًا إلى الموافقة على رافال مع فرض قيود، يكشف، بحسب التقرير، عن قوة جوية تُبنى ليس فقط وفق احتياجات مصر، وإنما داخل الحدود التي تقبل بها واشنطن وإسرائيل.


ومع ذلك، لا يصور التقرير القاهرة باعتبارها طرفًا سلبيًا في هذه المعادلة؛ فقد استخدمت مصر مرارًا المنافسة بين الموردين للحفاظ على نفوذها التفاوضي وتنويع مصادر اعتمادها. لكن التنويع نفسه يفرض حدودًا، تبدأ بالضغوط السياسية على الموردين ولا تنتهي عند العبء التشغيلي المتزايد الناتج عن إدارة منظومات أجنبية متعددة.


وعليه، لا تمثل رافال تنازلًا اضطراريًا ولا خيارًا مصريًا غير مقيد، بل تبدو الشكل الأكثر قابلية للتحقق من التنويع الاستراتيجي المتاح أمام القاهرة. ويعكس تسارع التحرك في سبتمبر إدراكًا مصريًا لمدى سرعة تقلص الخيارات المتبقية.


وتحاول القاهرة، وفق التحليل، تثبيت الخيار الذي لا يزال قابلًا للتحقق سياسيًا قبل أن يغير عرض أمريكي جديد الحسابات، سواء جاء في صورة حزمة إضافية لمقاتلات «إف-16»، أو حوافز مرتبطة بمنظومة «ناسامز»، أو إشارة متجددة بشأن «إف-35».


وبذلك، لا يتعلق اندفاع مصر نحو رافال بشراء 24 مقاتلة إضافية فحسب، بل بمحاولة تأمين مساحة استراتيجية للمناورة قبل أن تضيق هذه المساحة أكثر.

 

https://hornreview.org/2026/09/14/egypts-rafale-rush-is-whats-left-after-washington-closed-the-other-doors/